التجديد العربي /الأحزاب السياسية في الجزائر والتجربة الديموقراطية , الأستاذ نورالدين ثنيو
تشهد العاصمة اللبنانية بيروت اليوم الأحد مظاهرات حاشدة ضمن خطط المعارضة لإجبار حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة على الاستقالة * شتاء عراقي قارس بسبب شحة الكهرباء والنفط.. وعشرات الاطفال يموتون من البرد في بغداد * الجامعات والمدارس في بغداد خالية مع تواصل عمليات التخويف والقتل التي تؤدي الى تهجير مئات المدرسين والطلبة * الديمقراطيون يتعهدون بجلسات استماع موسعة بشأن العراق * مقتل مترجمين جنوبي أفغانستان * قوات الاحتلال تحاصر مدن الغربية حديثة ،بروانة ،عنه * حوالي 25 صاروخ كاتيوشا على قاعدة كاسلو الأمريكية بالعراق * احتجاجات على رفض بلير فتح نقاش برلماني شامل حول العراق * يسعى 9 سجناء سابقين في العراق وأفغانستان إلى مقاضاة وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد واثنين من ضباطه المتقاعدين عن طريق محامين أمريكيين * لقي جنديان من قوات المارينز الأمريكية مصرعهما في محافظة الأنبار، وفق ما أعلن بيان عسكري أمريكي السبت <<<:الأخبار  

مواد متعلقة
الأحزاب والنقابات المصرية يدينون أميركا


النقابات العمالية والأحزاب السياسية في مشروع الإصلاح السياسي
عبدالرحمن النعيمي

ملف الديمقراطية داخل الأحزاب في البلاد العربية


الديمقراطية في عينة من الأحزاب السياسية اليمنية
د. سمير عبد الرحمن الشميري

من اليوميات السياسية
السيد زهره

مؤتمر وطني لدعم التضامن مع الشعب العراقي دعوة الجمعيات السياسية للمشاركة في المؤتمر


من اليوميات السياسية
السيد زهره

من اليوميات السياسية
السيد زهره

الشارع العربي والقيادات السياسية
د. على محمد فخرو

ثورة يوليو في معهد العالم العربي بباريس


أزمة المياه في اليمن قد تتسبب بكارثة إنسانية


رؤية المحافظين الجدد في السياسة الأمريكية
د. يوسف مكي

حـول اختطـاف رضيعـة مـن الشميسـي
جعفر النصر

مداخل مرحلية لتعزيز الديمقراطية في البحـرين*
الدكتور علي خليفة الكواري

ثورة الجزائر والمقاومة الفلسطينية التماثل والتمايز
عوني فرسخ

جدل عربي حول المبادرة الاردنية لقمة الجزائر لتعديل خطة السلام العربية المقدمة في مؤتمر بيروت


ثورة الجزائر والمقاومة الفلسطينية التماثل والتمايز
عوني فرسخ

ثورة الجزائر والمقاومة الفلسطينية التماثل والتمايز
عوني فرسخ

إصدارات جديدة


تعقيب على موضوع الأحزاب السياسية في الجزائر والتجربة الديمقراطية
د. فضيل دليو

اصدارات


موسم الديموقراطية الأسرائيلية
د. عزمي بشارة

الديموقراطية هي الحل
ابراهيم الحربي

الممارسة الديموقراطية داخل حزب جبهة العمل الإسلامي
خالد سليمان


الآخبار
انشقاق في حركة كفاية المعارضة في مصر

بشور في حوار مع شبيبة المنتدى القومي العربي:

بشور بعد عودته من القاهرة يزور المبعوث الرئاسي السوداني:

مقتل جنديين أميركيين وإصابة عشرة اخرين في بغداد وبهذا يصل عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في الأيام الثلاثة الماضية إلى 15

المؤتمر القومي العربي يثمن نصر شافيز

أستشهاد فلسطيني ينتمي إلى كتائب شهداء الأقصى في مدينة طولكرم بالضفة الغربية

قادة العراق الجديد عادوا الي بيوتهم في لندن بسبب انتشار العنف في بغداد

مصرع أربعة جنود أميركيين في منطقة حديثة في هببوط أضطراري لمروحية تشينوك في محافظة الأنبار غربي العراق

حارث الضاري يدعو القوى العراقية المعارضة ل “الاحتلال الامريكي” إلى الاجتماع والتحاور

إطلاق نار على السفارة الأميركية في صنعاء


من أجل المساهمة في تحقيق رسالة التجديد، نهيب بكل المفكرين والكتاب والفنانين والمبدعين والقراء أن يتقدموا لنا بمشاركاتهم، لنجعل من هذا الموقع واحة تتفاعل فيها الأفكار على طريق صياغة مشروع نهضوي جديد لأمتنا


بإمكانكم تصفح جميع الصحف العربية من خلال الموقع بالدخول إلى وحدة الصحف العربية

10:27   الثلاثاء  07  سبتمبر  2010
أرسل لصديق نسخه للطباعه

الأستاذ نورالدين ثنيو

مشروع دراسات الديمقراطية

في البلدان العربية

اللقاء السنوي الثالث عشر 30/8/2003

"الديمقراطية داخل الأحزاب في البلاد العربية"

BERNARD SUNLEY ROOM, ST. CATHERINE’S COLLEGE, UNIVERISTY OF OXFORD,

MANOR ROAD, OXFORD, UK.

الأحزاب السياسية في الجزائر والتجربة الديموقراطية

                                                                   الأستاذ نورالدين ثنيو

                                                  أستاذ باحث جامعة الأمير عبد القادر

                                                                     قسنطينة/ الجزائر

لازالت إشكالية الديموقراطية في الوطن العربي تتمثل في البحث عنها وفي أسباب غيابها. فالديموقراطية كمفهوم وتعريف وتجربة معروفة من الناحية النظرية، لأننا نلاحظها ونشاهد تطبيقاتها في العالم الغربي.. ولكن في العالم العربي، نواصل البحث عن أسباب غياب امكاناتها وتلكأ السلط ودوائر النفوذ والهيمنة في استمرارهم في وأد التجارب والمشاريع التي تروم الاستنهاض وتجترح قيم الديموقراطية والحريات السياسية وحقوق الإنسان والمجتمع ومؤسسات الدولة العامة. فلازال الوعي العربي لم يصل إلى لحظة التماهي مع الحقيقة الديموقراطية كقيمة وجودية يعيشها كلحظة محايثة للواقع الراهن. فمن هذه الناحية، تطرح الديموقراطية على العرب بشكل عام كإشكالية للبحث عنها ولم تصل بعد إلى تقييم التجربة الديموقراطية لعدم ترسب الحد الأدنى من الرصيد الصالح للتقييم. وعليه، تبقى إشكالية الديموقراطية في الوطن العربي هو البحث في مضاداتها وحوائلها وما تأباه، أي البحث في أسباب التخلف والوقوف على ظاهرة استبعاد الجسد العربي لقيم الحرية والديموقراطية وعلة الفكر الجماعي العربي في عدم التجاوب الايجابي مع مقتضيات الديموقراطية كما تفهم في الفكر السياسي والاجتماعي المعاصر.

وهكذا، تبرز حالة البحث عن غياب الديموقراطية في البلدان العربية السؤال التالي: كيف استطعنا أن نفهم ونعي ونقبل تعريف الديموقراطية، ونعجز عن تطبيقها، مما يكشف عن مفارقة عصية وصعبة وهي التعاطي ألانفصامي مع مسألة الديموقراطية من حيث النظرية والممارسة. ولعّل قوة مفهوم الديموقراطية يدرك في قدرته على كشف وفضح التخلف ومواطن الضعف في الوجدان العربي، وعطالة العقل العربي الذي يستطيع أن يدرك ما يعجز عن تطبيقه.

وحتى لا نعالج الموضوع معالجة ميكانيكية، إسقاطية، أي محاولة تطبيق نظرية جاهزة عند الآخرين، نحتاج في العالم العربي ومنه الجزائر إلى الوقوف الملي عند الحوائل والموانع التي حالت دون تطبيق الديموقراطية كسبيل لزرعها واستنباتها وحصد مآثرها والتمتع بفضاءاتها، لأن الديموقراطية هي أفضل آلية لتحرير المجالات والقدرات والإمكانات لتساعد المجتمع والدولة على التعبير عن الحاجة والسعي الدائم لتلبيتها.

إن العالم العربي لا يزال يتلمس طريقه نحو لحظة التفاعل مع قيم الحرية والتقدم بسبب غياب الإطار الديموقراطي الذي يدلل على الطريق السليم للتنمية والترقية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. والبحث الذي يجري بشأنه هو البحث السوسيولوجي والتاريخي للتخلف ومحاولة السيطرة وتحييد آلية التخلف وتليين بنية المجتمعات العربية التي تشكلت زمن تدهور الحضارة العربية الإسلامية، ثم تكلست زمن الاستعمار الأوروبي واستمرار الحديث عن الثوابت الوطنية في زمن تراجع الإيديولوجيات والأفكار الإطلاقية والمرجعيات الشاملة والخطابات الرسمية الأحادية، كلها حرمت الوجدان العربي من امتصاص قيم الحرية والحق، الديموقراطية، قيمة الإنسان، مآثر التقدم السليم، والوعي بحقيقة التخلف، والاستبداد والطغيان والفشل والمسؤولية والواجب. وبسبب التقدم الكبير الذي أحرزته شعوب المجتمعات الغربية، و التطور الهائل الذي شهده الفكر السياسي والفلسفي الغربي، أعطى لبقية العالم ومنه العربي، صورة دونية، وينظر بزهد إلى رصيده وبشئ من عدم الاكتراث إلى تجاربه الفاشلة في مجال الديموقراطية ودولة القانون، وان الوعي العربي لم يتحصن بثقافة الديموقراطية، وأن الجسد العربي ليست له القدرة على المجابهة الحضارية. 

و هذا ما يجعلنا اليوم نبحث عن الأسس الشرعية التي تقوّم السلطة السياسية؟ أي مدى شرعيتها؟ ففي الجزائر، كانت مرحلة ما بعد الاستقلال تستند إلى الشرعية الثورية، وهي مرجعية مرنة غير واضحة تماما، و في أحيان أخرى أدت إلى تجاوزات لم توفر السلطة وسائل مقاومتها. وبعد مرحلة الشرعية الثورية دخلت الجزائر بشكل مباغت إلى مرحلة الشرعية الدستورية، التي لم يكتب لصاحبها الرئيس الراحل هواري بومدين متابعة إصلاحاته المؤسساتية التي لا تزول بزوال الرجال. فقد قامت محاولة اعتماد الشرعية الدستورية على شخص الرئيس الذي تماهى مع المؤسسات، و بغيابه دخلت البلاد في أزمة خطيرة استعصت إلى اليوم عن الحل. وهكذا، يبقى السؤال الشرعي يعاند ويطرح نفسه على النحو التالي: ماهي الشرعية التي يستند إليها النظام السياسي في الجزائر؟ يمكن تداول مجموعة السندات، إلا سند أرادت الشعب. وعليه فالنظام لازال يبحث عن الشرعية، و فقدانه لها يؤجل بطبيعة الحال  الحديث وتطبيق الديموقراطية.

الديموقراطية مفهوم معياري، لا يكف عن التقدّم (1)، لأنه ينطوي على قدرة فائقة على إعادة التشكل ومرونة في استيعاب تعاريف جديدة، ولأنه يعد آلية ونظرية و وسيلة إنجاز. والديموقراطية من هذه الناحية، تقتضي أنها تتطور باستمرار و لا تعرف التراجع، و كل إخفاق يحصل لها هو في التعبير النهائي إخفاق لإطارها الاجتماعي و السياسي. فعندما تسوء أحوال العمّال والموظفين، و تزداد نسبة الأمية الأبجدية والتعليمية وتنعدم وسائل الصّحة والوقاية والعلاج وتتدهور حالة البيئة، سوف تتراجع الديموقراطية، لأنها في هذه الحالة هي معيار التقدم أو تخلّف المجتمع والدولة.

وهكذا، فالأزمة التي عصفت بالجزائر منذ سنوات هي الجزء الظاهر من البناء الفاسد برمته، الذي افتقر غلى الاسمنت المسلح بثقافة الديموقراطية والقناعة الحضارية لنظرية تداول السلطة، وبسببب ذلك عبرت الأزمة بعنف عن وجود علاقة توتر بين المشروع الديموقراطي و بنية المجتمع السياسي والاجتماعي، كما عبّرت عن أن كل محاولة لقسر وإجبار تنفيذ المشروع الديموقراطي في غير محلّه وفي غياب امكناته سوف يفضي لا محالة إلى الكارثة وإلى تدمير عدّة المقاومة و القدرة على المواجهة التي يحتاج إليها المجتمع لكي يخرج من دوامة التخلف والمآزق التي تحل به كما القدرة على الثبات في المنعطفات الكبرى التي تباغته بين لحظة وأخرى. وبتعبير موجز وصريح، إن الديموقراطية لا تكتفي بذاتها وإنما تحتاج إلى قدرات فعّالة في وجدان الأمة والمجتمع وإلى قوى ايجابية تعزز الطريق السليم لزيادة التنمية والتقدّم. ومن هنا فالإخفاق الديموقراطي يرتبط بالجوهر والأساس بتراجع مؤشرات الوضع الاجتماعي  والاقتصادي لحالة الأمة(2).

منذ أكثر من عقد من الزمن والجزائر تحاول أن تتلمس طريقا من أجل الخروج من المأزق التي آلت اليه الأوضاع فيها بعد أحداث 5أكتوبر/ تشرين أول1988 ثم إلغاء مسار الانتخابات التشريعية يناير/ كانون الثاني 1992، وقد أفرزت هذه الأحداث من التداعيات والنتائج الجسيمة والخطيرة على حياة الدولة والمجتمع حد التساؤل هل بقى في الإمكان الحديث عن مستقبل الديموقراطية في الجزائر؟

وعليه، فالباحث اليوم مضطر إلى تتبع التطور الذي انتاب مفاصل الدولة وبنية المجتمع )3( خلال هذه الحقبة الزمنية، وكل شيء يحتاج إلى إماطة اللثام عنه، وتتبع مصادر الفعل السياسي والاجتماعي وعلاقتيهما بالمستوى الذي تحتاجه الديموقراطية. ولا يمكن في هذه الحال الاستباق واتهام الباحث بالتحيز الحزبي والذاتية في المعالجة أو بتقصده الطعن في السلطة ونظام الحكم أو أن الباحث يولي أهمية أكثر لهذا الجانب من جوانب المجتمع والدولة على حساب نواحي أخرى.. لأن تعقد الأزمة واستحكام بنيتها في جميع مستويات والمجالات، تملي على الباحث العلمي والتاريخي الاحاطة بكل تجليات الظاهرة ومحدداتها وكيفية مساهمة الأطراف فيها ونصيب كل واحد فيها، ولأنها أزمة حقيقية فانه تقتضي إذن بحثا حقيقيا لا يماري ولا يوارب وتشجم مشقة وعناء الموضوعية والصراحة، حتى لايساهم الباحث بدوره في التنكر لها والتظاهر بواسطة أجهزة الأعلام بغيابها مثل ما تفعل السلطة منذ سنوات.

فالمثقف/ الباحث له من السلطة والحياد ما يستطيع به أن ينأى عن مغريات النفوذ السياسي ويستطيع أن يقف خارج هيمنة المال الواصل إلى المجال السياسي والقاطع للنسيج الاجتماعي الذي لا ينفك أن يتعرى يوميا من مناعاته الأخلاقية والمعنوية، ورأسماله الرمزي، علاوة على مفقدانه المتوالي لثرواته النفطية مادة الآقتصاد الأولى والوحيدة، من دون أن يعوض ما تحتاج إليه مقوماته الثقافية ومكونات هويته. ولعل هذا هو الوجه الحقيقي الذي يجب أن نجابه به الأوضاع الحالية في السلطة والمجتمع، لأنه في الوقت الذي تواصل فيه السلطة محاربة الأرهاب والعنف، لا تكف في ذات الوقت عن هدم محصنات ثقافة السلم والاستقرار، وكأن قدر السلطة هو العيش مع الأزمة وتسييرها على أساس أنها قدر محتوم!؟

إن المعضلة الجزائرية الراهنة هي تعبير عن مغامرة الشعب والمجتمع نحو بناء مؤسسات الدولة الجزائرية المستقلة. فقد سبق لهذا الشعب و قيادته أن جازف بمصيره في ثورة تحريرية كبرى عام 1954و انتهت إلى الاستقلال، ثم لم يلبث أن دخل في معركة بناء أجهزة الحكم والتسيير لمرافق الدولة على أساس من الديموقراطية.. لكن التجربة باءت والى حد الآن بالإخفاق، و لا يمكن الاطمئنان إلى أوهام السلطة الحالية التي توحي بالحياة العادية أو في أكثر تقدير تعترف بالأزمة وتقيد الجهة المسئولة عليها بصيغة المبني للمجهول.

إن تقييم التجربة السياسية الجزائرية، سلطة وأحزاب نعتمد فيها على التجربة كلها أي إدراج سنوات الأزمة كلها كتجربة تاريخية، تتقاسم كل الأطراف فيها المسئولية، لأنها من صنع الجميع ولم تعد من صنع السلطة فقط. فالديموقراطية التي جاءت بها أحداث 5 أكتوبر/ تشرين الأول1988 ذاته، ومن ثم فان إشكالية الديموقراطية لا تعني السلطة فقط بل الأحزاب والقوى الاجتماعية والتنظيمات الشعبية أيضا، علاوة على فساد سلوك الأفراد في حياتهم اليومية والعامة، كما أبدوا تقصيرا فاضحا في الحفاظ على الأموال العامة وقدر كبير من هدر إمكانيات المجتمع والدولة.

وهكذا، إن تحليل مسألة الديموقراطية والأحزاب السياسية في الجزائر تنتهي في نهاية المطاف إلى توكيد الصلة بين السلطة والأحزاب، وأن هذه الأخيرة لا يمكن دراستها دراسة تاريخية مستقلة، لأنها لا تتمتع بتاريخها الخاص، وإنما اعتمدت في البداية والسياق والنهاية على مقتضيات السلطة وشروطها وحاجاتها... ولعل مكمن الافلاس الديموقراطي في الجزائر ان الساحة السياسية لم تتشكل منذ البداية بمجالها الثقافي كشرط لازب لأية ممارسة للشأن العام، وكل ما حدث هو افتراض التعددية في الهوامش والأطراف مع بناء السلطة الفعلية في المركز والنواة.

فقد انطوت الأحزاب السياسية على قصور واضح، لم تتعرف عليه منذ البداية لأنها كانت عاجزة عن إدراكه ثقافيا، كما لم تكن بيدها الوسائل الشرعية للفعل السياسي، وانتهت تجربة الأحزاب السياسية إلى إنها تجارب غير مكتفية بذاتها ولا يمكن بالتالي كتابة تاريخها الخاص كرافد يصب في تاريخ الفكر السياسي الجزائري المعاصر. فإذا كانت معظم الأحزاب من إنشاء السلطة، فان الباقي– عدا حزب القوى الاشتراكية– ساهم بقصوره في تأييد نظام الحكم و بالتالي تفويت فرصة الوصول إلى الديموقراطية عبر وصول المعارضة الحقيقية إلى السلطة، الضامن الحقيقي لبداية المسار الديموقراطي السليم وبداية عدّها التصاعدي الذي يرسخ رصيدها التاريخي و يعزز مستقبلها.

وتوكيدا لما سبق، نرى أن الديموقراطية طلبها الجميع وأخفق فيها الجميع أيضا، ومن هنا مكمن المأزق الذي آلت إليه الأوضاع، ونبهت الجميع إلى ضعف ثقافة الدولة وهشاشة الوعي السياسي في مسألة خطيرة وهي زرع الديموقراطية كأسلوب للحكم وإدارة المجتمع. فقد توسلت المعارضة الإسلامية الأسلوب الديموقراطي للوصول غلى الحكم، والتمست السلطة أيضا أسلوب الديموقراطية لصد المعارضة عن الوصول غلى الحكم.

واستمر الوضع على ذلك الحال إلى اليوم، وبقيت الديموقراطية كإشكالية تراوح مكانها في الوقت التي تزيد الأوضاع سوء.. بل تراجعت مسألة الديموقراطية من سلم الأولويات وحلّ محلّلها استعادة الأمن واستمرار مؤسسات الدولة، والبحث عن إسعافات خارجية بسبب الضعف الذي انتاب مفاصل ودواليب نظام الحكم ونفاد مدخراته الذاتية طوال أكثر من عقد من زمن الأزمة.

وثمة أمر آخر على جانب كبير من الخطورة أفرزته أزمة الديموقراطية في الجزائر، ويتعلق بتقلص فضاء التعبير لؤلئك الذين شاركوا بصورة من الصور في اسعاف وإنقاذ السلطة من وصول المعارضة إلى الحكم, فقد وظفت قوى سياسية بسبب قلة مصداقيتها وافتقارها إلى التجربة الذاتية التي تبرر وجودها في ساحة العمل السياسي، وفقدت بالتالي حق الكلام والاقتراح وإدارة الشأن العام. فقد تآكلت أرصدة الأحزاب السياسية في دواليب النظام بالقدر الذي تعرّت فيها نواياها و انطلاقاتها الخاطئة، وصار من الصعب إسناد لها إدارة الشأن العام، فضلا على أن ليس بوسع السلطة أن تجدد آليات الحكم نحو توسيع قاعدة المشاركة والمسئولية. وهذا بالضبط ما عقّد الأزمة السياسية وكشفت انسداد الخيال في تقديم وتصور الحلول والبدائل بعد نفاد وسائل وامكانات يعوّل عليها في اجتراح عتبة الحل السياسي.

ان السلطة، كما يرى الباحث الجزائري هوّاري عدّي، طرحت بعد الاستقلال مباشرة كغاية، ولم تطرح إطلاقا كوسيلة لترقية العمل السياسي و تكوين طبقة سياسية. فقد شاع تعبير في الأدبيات الفرنسية، أن ما بعد الاستقلال شهدت الجزائر سعيا لاهثا نحو البحث عن السلطة بكل الوسائل ومهما كانت الطرق، وصارت السلطة المقصد النهائي ومطاف اللعبة السياسية, وبالفعل فقد تبين أن مشروع الدولة، في نهاية التحليل السياسي والاجتماعي، هو بناء رأسمالية الدولة التي شكلت أربابها وعرّابها، وصارت الدولة/ السلطة مصدر وحامية السلطة. وعليه، فالاشتراكية كمشروع بناء مؤسسات لا تزول بزوال الرجال، كما ورد في تصريح بيان 19 جوان/ حزيران 1965، المتعلّق بالانقلاب الثوري على نظام ما بعد 1962، فقد دام هذا المشروع قرابة العشر سنوات فقط، مّدة بقاء الرئيس هوّاري بومدين في سدّة الحكم أي غلى غاية 1978. ثم جاءت مرحلة أطلق عليها مرحلة المراجعة والتراجع عن الخط الاشتراكي وبداية العمل بقانون السوق الذي طال أكثر من عشرين سنة ولم تفلح السلطة إلى غاية اليوم في تأسيس وتحرير مجالاته، وتمكين آلياته والتحكم في دواليبه الاقتصادية والتجارية والمالية والسياسية، فقد طالت مدّة البحث عن مجالات السوق ونظامه أكثر من مدّة تطبيق الاشتراكية، ومع ذلك لازال الجميع تقريبا يكيل تهمة الافلاس السياسي إلى التطبيق الاشتراكي. وهذا وجه آخر من وجوه المفارقة التي صنعها الإعلام الرسمي ويتغذاها الرأي العام كتقية لتمديد عمر أزمة الديموقراطية في الجزائر. ولعلّ هذا كفيل بأن يفصح من الناحية السوسيولوجية والسياسية والثقافية عن غياب أصلي لفكرة مشروع بناء الدولة ومؤسسات الحكم تحايث الواقع وتفرزه بشكل يعبر عن جدلية شرعية بين الواقع التاريخي وفكرة المشروع المراد تحقيقه، أي أن التخلف كان مرافقا لتصوّر المشروع و ينم عن حقيقة مروّعة لا يمكن الافتئات عليها وتحتاج إلى وعي حاد بها قبل كل محاولة تطمح إلى بناء الديموقراطية.

فقد كشفت الأزمة الجزائرية الأخيرة عن خلفيتها وما قبل تاريخها عندما عبرت عن أن السلطة حكم مصادر مستحكم في نواة لا تريد أن تطلق سراحه، وتخاف من أي محاولات التحرير.. لا بل فقد انطوت السلطة على الخوف من الديموقراطية التي تسعى غلى ردم الفجوة السحيقة ما بين السلطة والمجتمع، أي تحرير التواصل لآليات التمثيل ومعايير الاستحقاق والجدارة التي تثري التجربة الديموقراطية وتزيد من صلابة النواة الحيوية للنظام السياسي.

إن استمرار منطق الشرعية الثورية والكفاح الوطني المسلح ضد الاستعمار، وانبناء نواة الحكم على مصدر عسكري، من شأنه أن يبقي الديموقراطية في حكم المؤجل. لأنه ستنتهي كل صور و صيغ التلاعب بحتمية الحل الديموقراطي للأزمة الجزائرية التي تعد في جوهرها تعبير عن الغياب المتواصل لمقتضيات الديموقراطية من الفضّ السلمي للنزاعات الاجتماعية والسياسية، وإمكانية تداول المسئوليات العليا وليس السيطرة على مؤسسات الدولة أو محاولة امتلاكها والا أخذ النظام السياسي الشكل الاستبدادي. فالسلطة كما يرى الفكر الفرنسي كلود لوفور* غير قابلة للامتلاك، و مجالها فارغ غير قابل الاستحواذ. وبتعبير آخر فالأحزاب الديموقراطية* هي تلك التي تسعى إلى الحكم و ليس لمتلاكه. والدولة بالتعريف هي مؤسسة رمزية يصعب امتلاكها أو استيعابها من قبل حزب واحد أو فرد واحد، لأنها تعني الجميع، وفكرة الجماعة هي التي تعطي مدلول العمومية التي تمثل الخاصية الجوهرية للدولة. وأفضل طريق لإضفاء الرمزية والمعنوية على الدولة هو الأسلوب الديموقراطي في إدارة الحكم وتسيير الشؤون العامة للمجتمع والدولة.

جبهة التحرير الوطني: الحزب، الدولة، الأمة.

لا مراء أن جبهة التحرير الوطني، هي التي تقدّمت المشهد السياسي والتاريخي للجزائر المعاصرة، بفعل الثورة التحريرية التي نقلت الجزائر من عهد الاستعمار إلى عهد الاستقلال. وقد كان لهذا الفعل قوة إبداع الجزائر ذاتها وغطى على كل المكونات و الجوانب التي لم تكن ظاهرة في الكيان الجزائري أبان الاحتلال الفرنسي له. فسنوات الثورة ثم الاستقلال كانت كافية لكي تستولي جبهة التحرير الوطني على الأداة )الحزب( ثم المؤسسات)الدولة( والكيان (الأمة(. فقد كانت ثورة التحرير الوطني 1954- 1962، ثورة مؤسسة وفاعلة تجاوبت مع مقتضيات العصر الجديد  الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية النابذة للاستعمار والاحتلال، والمتجهة إلى تأسيس الدول على مقومات الأمة والمواطنة، ومن هنا استأهلت جبهة التحرير الوطني صفة صانعة المجد التاريخي للجزائر، وصارت على هذا الأساس المثال الذي يحتذى في العالم الثالث.

غطى حدث الثورة على كل المقوّمات الذاتية والمراحل السّابقة للحركة الوطنية1926- 1954 وعلاقتها بالاستعمار، ولم تعبأ إلا بلحظة الثورة، وسيرورتها كفعل كاسح لا يتوقف  إلا ليحصد من يعترض عليها أو يروم التوقف لإعادة التفكير وتحسس الطريق السليم لمنجازات الثورة. فقد استمر منطق الثورة وافتراض الحرب على الأعداء الجدد لكي تتمكن الجبهة من الاستحواذ على الحزب والدولة والأمة طوال فترة الاستقلال في مختلف المراحل، ولم تعرف كيف تتخلص من هذه المؤسسات و تعيدها إلى الجزائر.. لا بل اختزلت الأزمة الجزائرية الراهنة في غياب الديموقراطية المقوّم الأساس في حصول عملية استلام المجتمع لمؤسساته الشرعية من سلطة الثورة، وهذا ما أبرزته الانتخابات التشريعية مطلع التسعينيات، عندما عمدت السلطة السياسية إلى إلغاء نتائج الاقتراع بسبب هزيمة جبهة التحرير الوطني، ونبه الجميع إلى أن الجبهة لا زالت تملك فعلا الدولة والأمة.

إن الانتصار الكبير الذي حققته جبهة التحرير الوطني على قوة استعمارية كبيرة مثل فرنسا، مثّل أيضا وضعا خطيرا، لأن عظمة الانتصار لم تماثله وتوازيه قوة في الاستعداد لبناء الدولة ومؤسساتها، فكلما كان الانتصار عظيما كلما جاء التحدي كبيرا أيضا، خاصة على مستوى وسائل تحقيق مشروع ومحتوى الاستقلال الوطني. وقد برز هذا التحدي في سوء الانطلاق نحو تحقيق مؤسسات لا تزول بزوال الرجال، ونظام حكم غير قابل للامتلاك وكان من مضاعفات هذا الوضع افتقار الدولة لعنصر الشعب عندما قدّم أكثر من ثلاث أرباع أصواته إلى غير حزب جبهة التحرير الوطني في أوّل انتخابات تشريعية.

إن انتصار الثورة التحريرية غطى على التاريخ الحقيقي للثورة المسلّحة. فقد كان الانتصار كافيا لكي يختزل التاريخ الجزائر الحديث في تاريخ جبهة التحرير الوطني والعناصر الفاعلة فيه. فنشوة الانتصار طالت مدّتها أكثر من اللازم، والشرعية الثورية كمرجعية طالت بدورها أكثر مما ينبغي، وضاعت علينا بسبب ذلك مسألة مهمة جدا، وهي البحث التاريخي العلمي والموضوعي لكي يعاد للثورة معقوليتها وفهم أسبابها وسياق جريانها، وكيف صارت ممكنة ووجوه الإخفاق والنجاح الذي رافقها، أي بتعبير واضح ماذا أضافت الثورة المسلّحة و الحركة الوطنية قبلها إلى علم التاريخ والتاريخ الجزائرى بشكل خاص، لأن مشكلة تحرير التاريخ الجزائري مازالت معلقة وتعاني من عوائق لم يتيسر للجزائريين سبل تجاوزها كإمكانية لظهور مجالات جديدة تعول عليه الديموقراطية عند الشروع فيها. فعلى سبيل المثال، أن تاريخ الجزائر لازال يكتب بالفرنسية، رؤية ولغة، ولم يتحرّر كما تحررت الثورة المسلحة وحصلت على الاستقلال. ووجه الإخفاق في تحرّر التاريخ وامتلاك الذات والوعي بحقيقة الوطن، هو الكتابة المناسبتية والخطابات الرسمية الظرفية والمفرطة في الاحتفالية والتبجيلية، حيث طمست كل محاولات الكتابة الجادة العلمية التي لا تكتفي بتاريخ جبهة التحرير، وإنما تلتفت أيضا غلى العناصر التي صنعت التاريخ في كل وجوهه وجعلت الثورة ممكنة. كما يمكن الشارة غلى غياب التاريخ الآخر لجبهة التحرير لكي نؤكد على فقر التاريخ السياسي من جوانب مختلفة لم يعرّف بها كحقائق، ولم تتمثلها الأجيال اللاحقة على الاستقلال. فقد كان هناك خلاف بين عدة أطراف وفاعلي الحدث السياسي العام قبل وأبان وبعد الثورة: حكومة باريس ضد الوطنيين الجزائريين، جبهة التحرير الوطني ضد الحركة الوطنية الجزائرية للزعيم مصالي الحاج، الأوروبيون ضد المسلمين الجزائريين، المستوطنون والأقدام السوداء ضد فرنسيي فرنسا، ثم وليس أخيرا المنظمة الجيش السري ضد الجيش النظامي الفرنسي، فضلا على جبهة التحرير كانت تقطعها عدة تيارات وتوجهات وايديولوجيات.

فقد كان لهذا الغياب، أي عدم اعتراف وعدم اكتراث جبهة التحرير الوطني كحزب في السلطة، بهذا الخلاف والاختلاف هو الذي أفضى إلى ظهور أزمة الديموقراطية بوجهها الخطير والذي نعيش آثارها إلى اليوم. فقد ولجت الجبهة/ الحزب العمل السياسي التعددي بالذهنية الأحادية التي تأباها الحياة الديموقراطية في الأصل و المسعى.

كانت الثورة من مميزات الجبهة، وعندما جاء الاستقلال عام 1962 كان مشروع الدولة ومتطلبات الاستقلال والسلم الاجتماعي والمرحلة الانتقالية والإجماع الوطني من العوالم التي لم تألفها جبهة التحرير. فقد كان عليها أن تعيد تهيئة النفس لكي تتجاوب مع حياة تختلف كلية عن عهد الحرب والاحتلال. فوجدت صعوبة كبيرة لأن الاستقلال كان إلى حد كبير استمرار للثورة بوسائل أخرى، ولعل أهمّها غياب المستعمر ذاته، واستمر الخطاب الثوري يفترض وجود العدو الخارجي سواء عني به الطابور الخامس، أو الاستعمار الجديد، أو المتربصين بالثورة. ولعل هذا ما جعلنا نفهم أكثر لماذا أخفقت جبهة التحرير في تحرير مجالها السياسي المدني، وانفراد بالتالي القيادة العسكرية أي جيش التحرير الذي استولى –بسبب فوضى أوضاع الاستقلال(4)- على السلطة، وتحولت مع الأعوام إلى مؤسسة عسكرية بالقوة والقانون والفعل، لها دولة *وتتوكأ على مرجعية تحرير الوطن من المستعمر وتمكنت من الاحتفاظ بنواة السيادة التي تكثف السياسة والاقتصاد والقوة الردعية والقمعية تجاه الأطراف التي تحاول أن تتموقع خارج إطارها أو تأتي من غير المجال المؤسسة العسكرية. وهذا وجه آخر من وجوه الإخفاق للجبهة في تجربتها مع الديموقراطية، عندما انفلتت منها السيادة المدنية، وأعطت بالتالي ثنائية لرأس السلطة أفصح عن مأزقه عند أوت انتخابات تعددية عام 1991/ 1992.

جبهة التحرير، جبهة استوعبت في صفوفها جميع العناصر التي ساهمت بصورة من الصور في الثورة التحريرية، فقد انطوت منذ البداية على التعددية والاختلاف لكن داخل إطار الحزب أثناء الجلسات والمؤتمرات. ومن شأن هذا الاختلاف والتعدد أن يحتوي على الطرف ونقيضه، الإسلامي المناهض أصلا للوطني، والمناهض بدوره للفرنكو-لائكي، والمتمثل للنموذج الفرنسي في الجزائر المناقض للعروبي الذي يولي وجهه نحو المشرق العربي وتياراته البعثية والقومية والعروبية.. علاوة على وجود التيار الكبير من القوى الانتهازية التي ليس لها محل من المشهد السياسي العام وتمثل قوة هلامية، غير واضحة، لا تعرف كيف تبدي مواقفها ولا الدفاع عنها، وليست على قناعة في شيء سوى مصالحها الضيقة واغتنام الفرص والمناسبات والتأثير على مجريات الانتخابات لصالح ممثل السلطة الفعلية. فقد بقيت الجبهة تتفرّج على الأحداث التي جاءت بعد إلغاء الانتخابات مطلع التسعينيات أنفضح أمرها عندما اكتشف الجميع العجز المضمر في جهاز الحزب  وأنه مجر تقية للمؤسسة العسكرية .

أما اللحظة الثانية التي أفصحت عن هلامية حزب جبهة التحرير الوطني زمن التعددية، فتمثل في لحظة انتخاب السيد ليامين زروال رئيسا للدولة عام 1995، بعد رتّب له حزب جديد من رحم جبهة التحرير التي طالها الموقف الفاسد جراء إلغاء الانتخابات التشريعية الأولى. فقد كان الحزب الجديد، حزب التجمع الوطني، نباتا طفيليا تخطى جبهة التحرير. ثم تواصلت اللعبة السياسية حصرا في مجال السلطة فقط أي أنها أصبحت شئنا لا يعني إلا دوائر السلطة والنفوذ أما الجماهير فلا تأتي إلا لتزكي الرئيس المعيّن، الذي عادة ما يحمل على ضرورة التنصل من أي حزب كشهادة لإثبات بعده عن التلوث الحزبي، ويسمح له بالتالي الطعن ونقد كل الأحزاب وحتى الشعب، وتحميلهما مسؤولية فشل وإخفاق البرامج والمشاريع، وهذا ما تأباه بطبيعة الحال الديموقراطية التي تبحث دائما عن مسؤولية الفشل في حزب الرئيس.

وما يؤجل الديموقراطية في الحياة الحزبية ومنه حزب جبهة التحرير، هو استمرار الاهتمام بالشأن الداخلي للحزب على حساب الحياة السياسية العامة والحياة الاقتصادية والاجتماعية وحياة المواطنين بشكل عام. فالمناضل السياسي يمكن أن يكون عرضة لإجراءات عقابية إذا تنافى سلوكه مع توجيهات الحزب ولوائه الداخلية، لكن قلّما يكترث الحزب بالأخطاء والتجاوزات والفشل في تحقيق برامج التنمية عندما يتسبب فيها أعضاؤه في الحكومة. وهكذا، فالاعتبار الداخلي لصالح الحزب يتفوق على اعتبار المجتمع والدولة، فلا وجود للجرائم السياسية ولا يخضع المسئول السياسي لإجراءات الحق العام لأن السلطة الفعلية التي عيّنته موجودة فوق سلطة الدولة الشرعية.

*******

حزب إسلامي في لعبة الديموقراطية

يمثل حزب مجتمع السلم – الإسلامي سابقا- تجربة لحزب إسلامي حاول أن يتعاطى مع الوضع المؤسساتي الرسمي لدولة حديثة النشأة، ويكشف أيضا عن مدى قدرة هذا التنظيم القائم على أساس ديني، إن على المستوى المنطلق أو على مستوى الخطاب واختيار الممكن في الحياة العامة. فقد كان حزب مجتمع السلم الحزب الوحيد الذي خاض تجربة مع السلطة وليس ضدّها كرافد لها أنقذها أكثر مما ساعدته على بلورة تصوّرات العمل السياسي الذي يتخذ من الديموقراطية إطارا ومنهجا لتوزيع العدل والثروة في المجتمع. ومهما كان من أمر، فان تجربة حزب إسلامي في الجزائر هي أساسا قاصرة، لأنها تمّت في مجتمع متخلف، يتلمّس طريقه نحو الديموقراطية الحديثة، ووجه المفارقة في هذه التجربة، هو محاولة التغاضي عمّا تتطلبه الديموقراطية من مستوى حضاري أو محاولة توريط الديموقراطية في مجتمع لازال يقوم على هياكل اجتماعية وذهنية منافية لروح الديموقراطية، ومنها قيام أحزاب ذات توجه إسلامي التي سوف تسعى إلى توكيد الاختلاف الديني في مجتمع قائم أصلا على مقوّم جوهري هو الدين الإسلامي، أي بتعبير آخر، إن انخراط حزب حركة المجتمع الإسلامي مع بقية الأحزاب الأخرى سوف يفضي لا محالة إلى تفتيت عرى الوحدة الاجتماعية والوطنية، لأن مقومات الوحدة والهوّية ليست للامتلاك والمزايدات بعد استردادها من المستعمر، وإنما تندرج في النسيج العام لا نسأل عليها إلا من خارج السياسية ونسعى إلى توكيدها عبر الإبداع والخلق والإنتاج الذي يستلهم الهوّية ومقوّماتها.

وهكذا، فمجتمع السلم لا يختلف كثيرا عن باقي الأحزاب الإسلامية في العالم العربي التي أخفقت في الوصول إلى السلطة والتحصّن بمزيد من التجربة الديموقراطية وتكويد رؤية حديثة لفض النزاعات السياسية وإدارة وتسيير الشأن العام دونما خلط لمراحل التاريخ، مرحلة المطالبة باستعادة الاستقلال والكفاح المسلح ضد الاستعمار ومرحلة السلم الاجتماعي والاستقلال الوطني. وتنفرد حركة مجتمع السلم أن سجلها التاريخي يحتفظ به نظام الحكم لأنه هو الذي دعّمها منذ البداية بعد ما استنفذت نفسها في أول انتخابات تشريعية ديسمبر/ كانون أول 1991، ولم تعد تقوى على التجديد وتغيير التكتيك السياسي ولا تعبئة الشعب على يقينيات تتماشى وروح العصر ومعطيات الواقع، خاصة التعاون مع بقية الأحزاب الأخرى في مواجهة السلطة، كما لم تستطع أن تبلور مواقف سياسية تخدم رصيد الحزب، علاوة على غياب البرنامج السياسي في كيفية الحكم. ولعّل هذه الأخيرة كانت ملازمة له منذ البداية(5)، وتمثل في واقع الأمر ثغرة كبيرة لدى جميع الأحزاب السياسية الإسلامية بشكل عام.

دخل حزب حركة مجتمع السّلم المعمعان السياسي دونما استعداد يذكر، وتحت ضغط أجبره على الانسياق مع ملابسات وتداعيات لحظة إلغاء الانتخابات التشريعية التعددية الأولى في تاريخ الجزائر عام1991، وقبلت التعاطي مع الخارطة السياسية الجديدة التي فرضتها السلطة العسكرية.

ثمة حقيقة، أكدتها التجربة الديمقراطية في الجزائر، وتنسحب على جميع الأحزاب ذات التوجه الإسلامي، وهي أنها فعلا أحزاب دينية بالمعنى الدقيق للكلمة، من حيث التصور والوسيلة والغايات المنشودة، حتى وان أدعت غير ذلك وقدمت برامج عادية، وأي تنكّر لذلك، دليل آخر على عدم مصداقية الحزب وضعف وجوده السياسي. ولعلّ مقتل الأحزاب الدينية أنها جازفت بمقوّم جوهري في المجتمع الجزائري ودخلت به المعترك السياسي بدل أن تبقيه بمنآى عن التلاعبات السياسية، ولا تستغله ضدا على الأحزاب العلمانية والأحزاب الوطنية وغيرها. فقد كان المدخل السياسي لحركة مجتمع السلم يمثل الخطيئة الأصلية التي يصعب معها ترتيب نتائج طيبة، لأنها ولجت العمل السياسي ليس ضدا على الأحزاب غير الإسلامية وليس أيضا ضد السلطة، وإنما ضد أحزاب إسلامية أخرى خاصة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي حلها النظام في أعقاب الغاء الانتخابات التشريعية لعام 1991. لأن الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني، كانت منذ البداية قاصرة عن إدراك مجال السياسة، أي استقلال السياسة بحقلها الخاص وعقلها الذي يحكمه منطق اختيار البدائل الممكنة في التاريخ وليس بعيدا عنه. ولعل عجز هذه الأحزاب، ومنها حركة مجتمع السلم/ الإسلامي، عن إدراك المجال السياسي وما يقتضية من طبيعة العمل والنشاط، هو الذي أدي إلى تشر ذم داخل الإسلام ذاته، وأن الصورة العبثية التي كان يمكن أن تصدر عن أي انتخابات تشريعية لاحقة في حالة انتصار حزب إسلامي، هي أن هناك إسلام في السلطة وإسلام في المعارصة، وتختزل المسألة في: عن أي إسلام نتحدث؟

كادت أحداث 5 أكتوبر 1988 أن تفضي إلى الانهيار العام لولا أن بادرت السلطة إلى فتح مجالات جديدة للتعبير السياسي، وإقرار التعديدية السياسية كمشهد جديد في الحياة العامة في دستور جديد فيفري 1989.. ولكن، وبالرغم من ذلك، جاءت أول انتخابات تشريعية تعددية ديسمبر/ كانون الأول محاولة لخيبة عارمة، كاشفة عن فقر مدقع بالثقافة الديموقراطية، وعن حساسية مرضية للجسد السياسي الحاكم من الحريات ونظرية تداول السلطة، فقلبت الطاولة على الجميع، وتصدّعت على أثرها هياكل ومؤسسات الدولة والمجتمع بسبب إلغاء هذه الانتخابات، ولا نزال تعاني هذا التصدع، وكل محاولات جبر الكسور ورأب الشقوق باءت بالفشل. وصار الفشل حالة ملازمة لكل هذه المرحلة. وهكذا، فقد دخل حزب محفوظ نحناح*اللعبة السياسية في ظل هذا الإخفاق الذريع للديموقراطية، بعد ما تخلى وتنكّر لطبيعة التنظيم الاجتماعي الذي كان يتزعّمه جمعية الإصلاح والإرشاد التي كانت تسعى إلى التكافل الاجتماعي والعمل الخيري والنفع العام، لا تشترط معايير ولا شروط الاستحقاق لخدماتها. فقد تحوّل البرنامج الاجتماعي في لحظة واحدة إلى برنامج سياسي، أدى إلى نسف الرصيد الاجتماعي والأخلاقي الديني الذي راكمته جمعية الإصلاح والإرشاد، وورّط في معارك مرهقة خاصة مع الجبهة الإسلامية قبل وبعد حلّها من قبل النظام القائم. وعلى خلاف برنامج حركة المجتمع الإسلامي، دخلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بخطاب إسلامي احتجاجي ضد السلطة ومن يناصرها بما في ذلك حماس/ حمس، لا تهادن أحدا، ومن هنا سر اكتساحها الاجتماعي وشعبيتها، ثم تحقيقها الأغلبية المطلقة في أول انتخابات تشريعية.

لكن بعد إلغاء الانتخابات من طرف السلطة العسكرية، اختير حماس، لكي يمثل الوجود الإسلامي في دائرة السلطة، كقوة سياسية تسخّر ضد التيار العلماني المتطرف وفي لعبة سياسية تعتمد على بقاء النواة الفعلية للحكم كعراب يملك كل خيوط وأوراق اللعبة خلف الستار. وتمثل هذه الخطوة التي أقدم عليها حماس التورط الثاني في لعبة لا تعرف قواعدها أصلا، وذلك عندما قبلت التمثيل السياسي على جثة حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ وأشلاء أصواتها التي كانت تعد بالملايين. وكان هذا المصل الذي أتاها من الخارج غير طبيعي، لأنه لم يتبلور ويتطوّر من داخل التجربة الخاصة. أما ثالث الأثافي الذي أدى إلى انكماش الدّور الإسلامي للحزب هو اكتفائه بالتفرّج على الأحداث وقبلوها بشكل سلبي، وكل الاعتراضات والاحتجاجات انتهت في نهاية المطاف إلى قبول رأي السلطة والدخول إلى صف الطاعة، على أساس من المساومة القاضية بأن وجود حماس/ حمس يمثل الطرف المسعف لنظام الحكم، وينتهي وجودها بخروج السلطة من الأزمة، كما حدث ذلك في انتخابات الرئاسيات ربيع 1999، ولم يسمح للشيخ محفوظ نحناح بالترشيح إليها، ثم توالت الحركة في التراجع في الانتخابات اللاحقة تشريعات ومحليات.

دخلت حركة حماس/ حمس إلى العمل السياسي في إطار محدد لها سلفا، يحرمها من ممارسة ديموقراطية وحرية المبادرة وإمكانية اقتراح.. بل الصورة العبثية التي قدمتها الحركة هي دخولها الحكومة مع بقاء الإحساس بأنها غريبة وأنها دائما في المعارضة، مما نمّ في التحليل النهائي عن افتقار مروّع لفكرة السلطة وفكرة المعارضة، و عجز عن إدراك مدلول العام/ فضلا عن عدم القدرة على الفصل بين الديني والسياسي وما الحد الذي يخدمهما معا.

وعدم اكتفاء حماس/ حمس بقدراته وإمكاناته، هي التي جعلته يفقد القدرة أيضا على التحالف مع الأطراف السياسية في الأوقات التي تستدعي ذلك وفي ظروف التي تحتاج فيها المعارضة إلى حالة من الاستقطاب والتوحد. وهكذا، فقد تأخّرت عام 1995 عن التوقيع على وثيقة أرضية سانت ايجديو، مع مجموعة من الأحزاب المعارضة للسلطة القائمة بالقوة الفعلية:  مثل جبهة التحرير الوطني بقيادة عبد الحميد مهري، الذي رضي بالدخول في المعارضة بعد أن تراجع حزبه في الانتخابات التشريعية لعام 1991/ 1992 وممثلين عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحركة النهضة الإسلامية بقيادة الشيخ عبد الله جاب الله (6) وحزب القوى الاشتراكية وحزب العمل للسيد لويزة حنون... فبعد أن شاركت حركة الشيخ نحناح في الاجتماعات الأولى، عدّلت عن التوقيع بايعاز من السلطة، وانحازت إلى معارضة قوى المعارضة ورضيت بموقع مشبوه غير محدد سياسيا.

أما هشاشة الحزب في التصدي والمواجهة، بسبب الخطيئة الأصلية التي لازمته، يمكننا أن نذكر على سبيل المثال: إقصاء الشيخ محفوظ نحناح من الترشح إلى الانتخابات الرئاسية لعام 1999، بعد ما كان قد شارك في انتخابات عام 1996، مكتفيا بأداء دور الأرنب في المسابقة الانتخابية، انصياعه لتغيير اسم الحزب من حركة مجتمع الإسلامي إلى حركة مجتمع السلم أي تصفيتها من الصلة الإسلامية وهو ما يعد إجهازا على بقايا تاريخ الحركة وتمييع لمادتها الدينية، كما أن حزب نحناح استقل بدور مشارك شكلي وليس مساهم في صياغة قرارات الدولة ولا يخرج إطلاقا عن التصويت لصالح مشاريع القوانين التي تتقدم بها السلطة إلا بالقدر الذي تقدر فيه السلطة أنها لا تحتاج إلى صوت حماس داخل البرلمان.

أخيرا وليس آخرا، ما يؤكد علاقة النزعة الشعبوية لنظام الحكم والنزعة الإسلامية، هو أن هذه الأخيرة تشكلت من وحي الخطاب الشعبوي والثقافة الأحدية لجبهة التحرير الوطن طوال حكمها بعد الاستقلال إلى غاية بداية التسعينيات(7), فالخطاب الأسلامي، وحتى إن ادعى أنه معارض للسلطة القائمة، فان معارضته، لا تعدو كونها تنوعا عن طبيعة واحدة، ولا ترتقي إطلاقا إلى الاختلاف في التصور والمنهج وإنتاج المعنى المغاير، كل ما في الأمر أنه خلاف مزاجي عارض ولا يؤسس لما بعده, ويبقى دائما رهينا الطرف الذي يعترض عليه ويتغذى منه، إلى حد يصعب عليه الاستقلال بذاته، و لعل هذا ما جعل التيار الإسلامي، من خلال التجربة الأخيرة، يفتقر إلى الأصالة والثقافة الذاتية. ومن هنا نفهم جيدا إقدام النظام على إلغاء الانتخابات التشريعية لعام 1991/ 1992 مخافة أن يقوم الحزب الإسلامي الفائز بنفس عمل السلطة أي مصادرة الحريات والخيارات الممكنة، وإعاقة الديموقراطية، لأنه من جنس التيار الأحادي. وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن نبتعد عن الحقيقة إذا ربطنا الصلة بين التيار الإسلامي والتيار الشعبوي في علاقة صهرية لا يمكن فصم عراها إلا عند التحليل والبحث العلمي. أما تاريخيا، فقد عبرا التياران معا عن مضمون واحد، الشعبوية والارتجالية، غياب النصوص الكبرى، غياب الوعي التاريخي في إنجاز المشاريع.

مستقبل الديموقراطية في الجزائر.

                                             ) 1(

 كانت ثورة التحرير الوطني 1954-1962، ثورة شاملة، وافصاح متقدم لخلفية تاريخية عن مقومات وهياكل المجتمع الجزائري برمته إلى حد لا يصح للأحزاب الدينية ولجبهة التحرير كحزب أن تتلمس منها الشرعية السياسية. ويبقى المعول الوحيد لهذه الأحزاب وغيرها هو ما الذي تستطيع أن تقدمه زمن السلم الاجتماعي والعمل السياسي القائم على فكرة الإجماع الوطني والقيم الإنسانية والعالمية التي يكتب بها التاريخ الإنساني الراهن. إن النشاط السياسي الرامي الى الوصول إلى السلطة لإدارة الشأن العام يحتاج الى الجدارة والاستحقاق والقدرة على الانخراط في الحياة العامة للإجابة على انشغالات وتساؤلات ومشاكل المواطنين )المواطن الذي له حقوق تبرر وجود الدولة(.

ولكن هذا ما لم يستطع أن يحققه حزب حركة مجتمع الإسلامي/ السلم، لأنه بقي يعارض السلطة بنفس المفاهيم والأفكار ولغة الخطاب الشعبوي، دون أن يصل إلى الاستقلال بفكره الخاص وبرنامج يكتفي بذاته إن من حيث النشأة والسيرورة ورسم الغايات.

إن المأزق الذي آلت إليه القوى السياسية في الجزائر، ومنها خاصة جبهة التحرير الوطني، أنها دخلت لعبة المزاحمة في من يستحق الشرعية الثورية والتاريخية، أي أن الكل انصرف إلى التماس استحقاق السلطة من زاوية البحث في الماضي، ولم يستطع أن يبلور برنامجه وخطابه ومفردات قاموسه من الواقع الفوري الذي يتجاوب مع الجماهير التي تبقى دائما هي المحك الحقيقي لاستحقاق السلطة. وهكذا استمر حزب جبهة التحرير الوطني محملا بثقل لم يستطع التخلص منه لأنه مثل مبرر وجوده منذ البداية، وكان عليه أن يفكر تفكيرا حضاريا واعيا لشروط تاريخية جديدة لكي يتجاوز الشرعية الثورية ويؤسس لنفسه مسارا جديدا في زمن الديموقراطية والشرعية الدستورية. وهذا ما لم يحصل، وضاعت فرصة تأسيسية التي يستدعى لها جميع القوى السياسية والاجتماعية لتدشين عصر جديد اسمه عصر التعددية لفائدة الوحدة الوطنية.

إن غياب لحظة لقاء الجميع عطلت الخروج من الأزمة وتمادت السلطة في حبك تكتيك الحضور والغياب كلعبة سياسية تسويفية للاحتفاظ أكثر بالحكم. فالنظام هو الذي يحدد الأطراف التي يتعامل معها والتي يقصيها حسب مقتضيات الحالة السياسية ودائما في أفق الاحتفاظ بالحكم. فقد غاب النظام في اللقاء دعت إليه جمعية سانت أجيديو عام 1995، كسبيل لحل الأزمة السياسية، بعد ما تأكدت من جدية مسعى الجمعية والحضور الحقيقي للأطراف الفاعلة في ساحة المجتمع الجزائري.

إن مستقبل الديموقراطية في الجزائر مرهون بشكل حثيث بتوفير لحظة لقاء الجميع سلطة وأحزاب، لأن لعبة النظام المتمثلة في التواري خلف الأحزاب وتوظيفهم في الأوقات المناسبة من أجل الاحتفاظ بالسلطة والثروة والخطاب الرسمي، لم تعد تجد بقدر ما صارت تضر ويزيد شرها على الدولة والمجتمع.

                                                   ) 2(

الحديث عن الديموقراطية، يتم في سياق تطور اقتصادي، وأوضاع اجتماعية تتحسن. وصارت الديموقراطية تتحدد بوجود نسبة مقبولة من التنمية، إضافة إلى الخدمات التي تقدم إلى المواطنين، علاوة على حسن التدبير السياسي لنظام الحكم مثل مبدأ فصل السلطات، نزاهة الانتخابات، وجود إجماع عام حقيقي يلتزم به الجميع في الشدائد كما في المسرات. لكن إذا كانت الديموقراطية تقتضي كل ذلك، فانه في حالة الجزائر، يصعب التنبؤ بتحسن الأوضاع الشرط اللازب لإمكانية الحديث عن ديموقراطية تتحسن، لأن الجزائر منذ ان ولجت الأزمة في وجوهها المتعددة، لا تترى أوضاعها لاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتفاقم وتؤجل بالتالي قدوم لحظة اللقاء مع مسار الديموقراطي السليم.

في السنوات الأخيرة حرص التاريخ الجزائري أن يكتب سجله بالكوارث والأزمات والمآزق والمشاكل الحادة التي تتعقد يوما بعد آخر. كيف يمكن الحديث عن الديموقراطية كمفتاح لحل الأزمة السياسية في الوقت الذي يزيد فيه منسوب الفقر والبطالة والفساد المالي والتجاري والاختراق السياسي والقانوني لمؤسسات الدولة. ولم يكفي الجزائر كل ذلك لتضاف إليها الكوارث الطبيعية بسبب الإهمال الأرعن وغياب الشفافية، كان آخرها الزلزال الذي ضرب مدينتي الجزائر وبومرداس في 21 مايو الفارط، وأسفر عن مقتل أكثر من 2000 شخصا وآلاف آخرين من الجرحى، حدث هذا وآثار كارثة الطوفان الذي ألم بحي باب الواد في مدينة الجزائر العام الماضي 10 نوفمبر2001، لا تزال عالقة بالأذهان، وأسفرت هي أيضا على قرابة الألف من الضحايا، ناهيك عن الإرهاب والعنف والاغتيال اليومي الذي تأصل في تلافيف ونسيج المجتمع والدولة.

وما يؤشر فعلا على صعوبة ما يواجه الجزائر في المستقبل القريب هو انسداد الأفق وجمود الرؤية المستقبلية بعد ما تكاثرت المصاعب والمعضلات. فقد ظهرت في الآونة الأخيرة أمراض كانت في عداد المنقرضة مثل الطاعون والتيفوئيد، فضلا على انتشار الأوبئة والتلوث المرعب للبيئة والفساد العمراني المتواصل كالسرطان الذي شوه المدن والأرياف، الغلاء الفاحش للمعيشة في ظروف اقتصادية تتحكم فيها مافيا المال والأعمال، التي برهنت على قدرتها على تأسيس الإمبراطوريات المالية والتجارية وهدمها بتصرفات رعناء و إجراءات طائشة غير مسؤولة تسبب دمار اقتصادي واجتماعي أثاره لا تتوقف إطلاقا.

وهكذا، يصعب ازدهار الديموقراطية في سياق اجتماعي وسياسي مناوئ لها، خاصة، وهنا الخطر القاتل، أن الرأسمال الرمزي الّذي يعد القاعدة المعيارية التي يتكأ عليها المجتمع الجزائري، تفقد يوميا قيما وخصالا وفضائلا ومزايا من دون أن تعوض بأخرى عدا السلب والنهب وتويهن أواصر النسيج الاجتماعي التي تسبب في ارتفاع معدل الجرائم وحوادث الطرقات والإفلاس الأخلاقي والمعنوي.

ومن هنا التوكيد على حقيقة مفزعة ومزعجة للجزائر. فبعض هذه المظاهر السلبية موجودة في العديد من الدول، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكن ما تنفرد به الجزائر التي تعيش فقط على ريع النفط، هو أن مظاهر الفساد تمثل معطى يومي يجري التعامل معه كأنه قدر محتوم يجب تسييره، واستمرار قناعة عدم قدرة الدولة على الحل في ما يشبه إعلان ضمني عن إشهار إفلاس لنظام يبحث أكثر عن مساعدات خارجية  لإسعافه وإعادته إلى جادة الطريق  الذي سلكته الدول الحديثة . 

                                                  (3)

العالم من حولنا يتطور ويشهد خطوات عملاقة في مجال تطبيق الديموقراطية إلى درجة أنها اجتاحت كافة المجالات والميادين، ولم تعد قاصرة على المجال السياسي بل امتدت وطالت المجال الاقتصادي والأخلاقي والديني، فضلا على اتساع رقعة وإطار تطبيق الديموقراطية لتتعدى إطار الدولة/ الأمة وتصل إلى المجموعات الجهوية الكبرى مثل المجموعة الأوروبية.. إذا لم نقل إن النظام الدولي يرسي قواعد ديموقراطية تفرض على الجميع وتكون قوة الاقتراح فيها إلى الدول العريقة في التجربة الديموقراطية والتي كرست مبادئ وقيم الاختلاف، والحكم الراشد وفكرة التناوب والمشاركة وفقا لمبدأ ومعيار الاستحقاق والجدارة.

الأهم من ذلك أن المجتمع الدولي ينحو الى ارساء أساليب الحكم الديموقراطي لتكون مثالا ومرآة لكل الأنظمة الدولانية وتستقبلها في أنظمتها القانونية الداخلية. وعلى هذا الأساس، فمن المتوقع أن لا يترك المجال واسعا لنظام الحكم في الجزائر لكي يتمادى في محاصرة مقتضيات الديموقراطية وطمس الحريات العامة، وفتح وتحرير المجالات وإبرام علاقات مع المجموعات البشرية الجهوية والدولية بصورة مباشرة، عبر ما يعرف بالديموقراطية الإسهامية(8)، التي تقتضي من جملة ما تقتضي الاحتكام ليس إلى الهيئات القضائية المحلية فقط.. بل أيضا إلى المحاكم والهيئات الخارجية أيضا.

ان مسار العالم اليوم يسير نحو استبعاد، بصورة قطعية، الأنظمة الشمولية، وأساليب الحكم الجائر التسلطي. ومن جملة الآليات التي وظفت لمقاومة الأشكال الاستبدادية، الحصار الدولي الذي تفرضه الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميريكية باعتبارها القوة الفعلية في العالم.. أو هيئات فاعلة على الصعيد الدولي وقادرة على تطبيق إجراءات الردع والتعزير والحصار كأسلوب لتفادي« النمو الوحشي لأنظمة الحكم الفاسدة» والتي تأباها الديموقراطية العالمية(9).

هل معنى ذلك أن الجزائر سوف تشهد ازدهار الديموقراطية بسبب السياق الدولي الجديد المؤثر على الدول التي تعاني غياب الديموقراطية، وأن الديموقراطية قادمة فعلا في الجزائر عبر أحزابها. بطبيعة الحال من الصعوبة بمكان الإفراط في الثقة والارتياح إلى مثل هذا التوجه لأن آليات استبعاد الديموقراطية والالتفاف حولها لا تكف هي أيضا من الظهور بأشكال مختلفة لأن المستفيدين من الأوضاع القائمة التي تغّيب أشكال الحكم الشفاف والواضح النظيف، سوف يبقون يتصدون لها، ويقومون لها بالمرصاد. ومع ذلك أو بالرغم من ذلك سوف تؤدّي العلاقات النوعية للتنظيمات الاجتماعية والثقافية والمهنية الاقتصادية   بين الدول إلى تحديد حجم تدخل الدوائر المستفيدة من غياب الديموقراطية.

فالديموقراطية التي سوف تنشأ في الجزائر في الأجل المتوسط على الأقل، لن تكون لها الألوان المحلية بسبب التأثير الخارجي عليها ولأنها تتلقى الفعل أكثر مما تمارسه عن وعي تتفتق به عبقريتها. فتكتفي بالحد الأدنى النمطي الذي يعرّف الديموقراطية بأنها أسلوب إدارة الشأن العام كما تمليه الأعراف والقوانين الدولية كما جرى للتقاليد الديبلوماسية والبروتوكولات التي يسير عليها المجتمع الدولي.

تقلص النموذج الإسلامي وتراجع فكرة الديموقراطية الإسلامية أو الصورة النمطية التي يتمثلها التيار الإسلامي لإدارة الحكم. ويمكن توقع ذلك بسبب افلاس التجربة السياسية للأحزاب الإسلامية في الجزائر وعجزها شبه المطلق في تقديم الحل للأزمة، ناهيك عن بلورة مفهوم إجرائي لإدارة حكم راشد يعطي معنى للديموقراطية حتى ولو لم يسميها بنفس الاسم. فقد كان شعار السلام هو الحل، شعارا فارغا من مضمونه ولا يعنى عند التجربة أي معنى ولا يحمل، وهنا بيت القصيد، لا يحمل أي مضمون لأنه لم يستخلص من الواقع والتاريخ. فقدم هذا الشعار في عدة مناسبات من الانتخابات ولوّح به ضد الأحزاب الأخرى وضد السلطة، ثم تبيّن عدم مصداقيته بسبب عدم استناده إلى نصوص اجتهادية فقهية وفكرية وسياسية كبرى وافتقار الحركة الإسلامية في الجزائر إلى مرجعية إيديولوجية محكمة.

هذا من جانب التجربة الداخلية التي تفصح عن ضمور مد الإسلام السياسي، و هناك جانب آخر سوف يؤثر على إشكالية الإسلام والسياسة، هو ما يحدث لتجربة الإسلام في أوروبا، التي من المحتمل أن تعيد إنتاج لعلاقة جديدة بين الدين الإسلامي والحياة المدنية الحديثة ويتم طرحها في إطار النظام الجمهوري العلماني ومبادئ حقوق الإنسان والمواطن. والجزائر التي كان دائما قدرها في العصر الحديث الأخذ من الآخر عندما يعني فرنسا بالذات، فانه من المتوقع أن تتأثر الحركات الإسلامية والمؤسسات والفكر السياسي والإسلامي بما يسفر عنه الجدل القائم اليوم في فرنسا ونوعية تسيير المسلمين الفرنسيين لشؤونهم الدينية، وكذا الدنياوية، عندما يوفقون إلى رسم الحدود المقبولة بين الدين ومبادئ الجمهورية أي وجود الإسلام ووجود العلمانية، وهو ما سوف يحد من غلواء الراديكاليين وأنصار الإسلام الاحتجاجي ويعيد لهم الوعي إلى ضرورة تجاوز الطبيعة الصدامية بين الإسلام والفكر السياسي الحديث والمعاصر.

الهوامش

(1)- لمزيد من التفصيل، حول أن الديموقراطية لا تكف عن التقدم، يمكن العودة إلى :  Claudine CALEUX, la démocratie  moderne , éd.Cerf, Paris,1997:

 (2)- نقصد أن التوظيف غير الملائم للديموقراطية كما حدث في الجزائر، يفضي إلى تدمير المناعة الاجتماعية، والحصانة للشخصية القاعدية للأمة، ويصبح بعد ذلك عاجزا عن توفير شروط الديموقراطية كأسلوب للحكم والحياة. ولهذا نقول إن مشروع الديموقراطية في الجزائر، انتقل من إمكانية تحقيقها إلى البحث عن أسباب غيابها والبحث عن إمكانات وشروط صلاحية الحديث عنها. ومشروعية هذه الإشكالية هو أن الوقت قد طال لاستعادة مشروع الديموقراطية وهذا ما لم يحدث الى الآن

(3)- أنظر كتاب الأستاذ هوّاري عدّي بالفرنسية Lahouari Addi ,les mutations de la société algérienne, la Découverte,Paris,1999.

 (4)- أنظر بعض الكتب الحديثة التي تؤكد على صعوبة الأوضاع التي انطلقت فيها الجزائر عام 1962.Benyoucef Benkhadda, L'Algérie à l'indépendance , la crise de 1962,éd.Dahleb, Alger,1997 .

Ali Haroun , l été de la discorde , Algérie1962,Casba éditions, Alger,2000.

 (5)- هذا ما يلاحظ مثلا في منشورات حزب مجتمع السلم/ الإسلامي منذ تأسيسه عام 1990 إلى اليوم. ففي مشروع السياسة العامة الذي قدمه إلى المؤتمر الثالث للحزب، و مشروع القانون التأسيسي، لا نلاحظ أي بلورة لمفهوم الديموقراطية ولا لتجربة الحزب خلال حقبة  العقد الأخير، كما لا يقدّم أي مساهمة فعّالة لمواقفه في القضايا المتعلقة بالوطن، فضلا عن غياب التفكير في كيفية الخروج من الأزمة  الحالية؟ أنظر منشورات اللجنة الوطنية لتحضير المؤتمر الثالث، أبريل 2003.

 (6)- أطلق على هذه الوثيقة بالعقد الوطني الذي وقّع عليها 8 تنظيمات حزبية، تحت رعاية الكنيسة الكاثولكية سانت ايجديو من 8 الى 13 يناير/ كانون الثاني1995. وقد ضمت الوثيقة البيانات التالية – الاطار: القيم والمبادىء. التدابير التي تسبق المفاوضات. إقامة السلم. العودة إلى الشرعية الدستورية.- العودة الى السيادة الشعبية الضمانات. أنظر النص الكامل للوثيقة فيLe monde diplomatique , mars , 1995.

 (7)- لمزيد من التفصيل حول صلة الخطاب الإسلامي بإيديولوجية جبهة التحرير، أنظرLahouari Addi , L Algérie et démocratie ,éd. La Découverte,Paris 1994, p.p.97-119.  

 (8)- حول معنى هذا المعني الجديد للديموقراطية، يمكن العودة إلىAntoine Bevort, pour une démocratie participative, éd.Presses de sciences po., Paris,2002.

 (9)- أنظر مدلول ومسار الديموقراطية العالمية في: :Jean-Yves Ollivier, Démocratie mondiale, éd. Chronique sociale,Lyon,1994.

 



الأستاذ نورالدين ثنيو

 تاريخ الماده:- 2003-08-05


أنظر العريضة الجديدة "معا على طريق الإصلاح"  المقدمة من قبل نخبة تمثل مختلف فعاليات المجتمع السعودي لولي العهد ورئيس الحرس الوطني الأمير عبد الله بن عبد العزيز في شهر فبراير عام 2004 


انظر في وثائق وتقارير: دور الكيان الصهيوني في اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية.


انظر في وثائق وتقارير: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


إذا كانت هذه هي زيارتك الأولى للموقع، فنوصي بقراءة المقالتين الرئيستين "لماذا التجديد؟!" و " بعد اقتحام التجربة.. تطلع نحو المستقل"

قالــوا عــن الـموقع


انظر وثيقة"رؤية لحاضر الوطن ومستقبله"
مجموع المطالعات 13266414      الآراء المنشوره عدا رأي التحرير لا تعبر بالضروره عن رأي أسرة التجديد