|
الشعب المنسي... هل تذكرونه؟
الشعب الفلسطيني محاصر منذ اشهر، او حكم عليه كذلك بصمت مريب، انقطاعات في الماء والكهرباء والرواتب والخدمات، وتعقيدات في العبور وحرمان في الهدوء، كل يوم قصف وشهداء وتدمير وجرف، وكل مرة اخبار عن صراعات سياسية واحيانا عسكرية داخلية، يروح جراءها ضحايا وخسائر، وتتراجع اخبار الشعب إلى هوامش وسائل الاعلام،
رغم هذه الحالة الكارثية والمآسي اليومية ورغم كل ما يحيط بالشعب من مخاطر فعلية وتحديات قاسية. ولكن ربما صدفة غريبة، غير معروفة عربيا على الاقل، اجتماع مجلس وزراء الجامعة الطاريء اصدر بيانا (12/11/2006) دعا فيه المجتمع الدولي إلى رفع الحصار، والمبادرة بذلك، بعد ان ندد بفيتو واشنطن في مجلس الأمن، معلنا، ان السادة الوزراء تذكروا محنة شعب عربي، ينتسب إلى لغتهم التي يتحدثون بها ويصدرون بياناتهم بها لحد الآن، ومع ذلك وللاسف للمرة الألف تجمد هذا البيان وهو في الفضاء بعد، وظل الحصار وبقيت الأحداث والأعمال كما هي، تزداد او تنقص حسب التذكر او وفق الظروف. هذا البيان العربي استخدم حرف السين او سوف المستقبلية ولم يستخدم فعل الانجاز او اسم التحقيق، فهو بليغ، من هذه الناحية، بلغته لا بفعله، وهكذا هو العمل العربي الرسمي، الذي يتغني بقصة الشعب المقاوم، دون ان يمدها بما يقومها ويقدر ارادته الحقيقية والتي لا يمكن ان تركع وتتخاذل مهما كانت التضحيات ومهما صدرت من بيانات، رغم كل ما يحيق به من ظروف صعبة ومؤلمة، خاصة من ذوي القربى، وما يمكن ان يعتمد عليهم فيه وما لديهم من قدرات وحدها كافية على تغيير تلك اللوحة المحزنة وبناء تصور آخر أبعد بكثير عما تقوله وقائع الحال. هنا ما يلفت الانظار، ما قامت به صحيفة بريطانية تجاوزت لغة الخطاب العربي وأعلنت ان حملة تبرعاتها وهديتها لأعياد الميلاد هذا العام، لهذا الشعب، ولأهالي غزة منه خصوصا، فقد فََقَدَ الامل وتبرعم لديه اليأس من الهتافات والبيانات والاجتماعات الرسمية وغيرها، منطلقة من مبدأ، ليس بالكلمات تسقط القرارات الصهيو امريكية في تشديد الحصار والقمع والاضطهاد بكل معانيها وألفاظها وأسمائها. فهل سمع بذلك وزراء البيان العربي؟.
أعلنت قوات الاحتلال انسحابها من غزة وتنسم سكانها رائحة الحرية، والتحرك داخل القطاع ومشاهدة ما اقترف الاحتلال من جرائم على الأرض وبين السكان، ولم تستمر الفرحة، حيث ارتكبت مجازر متتالية، من الشواطيء إلى بيت حانون، ومن بيت لاهيا إلى معابر الحدود المحروسة من كل الجهات. وبعد كل عملية بطولية لقوات المقاومة الوطنية تتنقم قوات الاحتلال بجرائم لا تتناسب، حسب القانون الدولي واتفاقيات جنيف، مع الفعل المقاوم، وتمعن في مجازرها المدعومة من ادارة بوش وحلفائها في الغرب والشرق. وكل عملية حجة للانتقام، فبعد اختطاف الجندي الصهيوني قتلت قوات الاحتلال أكثر من اربعمائة مواطن فلسطيني داخل قطاع غزة، تحت لافتة اطلاق سراحه، واعتقلت المئات، بمن فيهم وزراء ونواب وقيادات سياسية، وشددت من وحشيتها في تحويل القطاع بالذات إلى سجن حقيقي لسكانه، او بما هو أسوأ من السجن الرسمي.
هذا الامر دفع الوزراء العرب لإصدار بيانهم الخجول، وحرك اوساطا اوروبية لاحياء ما يسمونه بخطة الطريق التي نعيت من أكثر من جهة ومصدر، أوروبي وعربي، وبلغات واضحة، قرأ الفاتحة عليها الميت سريريا قبل ان ينقل إلى سريره، وكأنه يراقبها وهو فاقد وعيه، معبرا عن حالة غريبة في وصف واقع الحال او تطابقه مع حقائق الامور ووقائع الاحداث. وما زالت افكار انسانية عامة تطلق هنا وهناك، وتجتمع منظمات انسانية دولية حولها وتصدر هي الاخرى بيانات استنكار وشجب وادانة شديدة، مثلما اعتبرت قصف مؤسسات الكهرباء وحرمان القطاع منها بعقاب جماعي، ومثله كل ما تقوم به قوات الاحتلال، ويظل كل هذا امرا مقبولا ومرغوبا ولكنه بلا اسنان ولا يرد للشعب حقه ولا يعوضه عما يعانيه يوميا، أو يساعده كما نشرت الصحيفة البريطانية، الاندبندنت (5/12/2006) التي شرعت بحملة التبرعات لسكان غزة، على لسان مواطنين لا يجدون قوت يومهم او دواء مرضهم او إيفاء مطالب اطفالهم، ولا تقنعهم ما تحمله البيانات والتصريحات عن خطط طرق مسدودة سلفا او مشاريع وهمية او ملغمة من داخلها، حتى ان بعضهم ارجع ما يكابده، ساخرا، إلى الديمقراطية. حيث نزلت عليهم الديمقراطية بلاءا وعقابا وليست اختيارا وفرصة، لقد صدقوا الوعود بها واشتركوا بنزاهة ومراقبة دولية واعتراف كامل بذلك، ولكن الامور انقلبت بعد ان فازت بها حركة المقاومة الاسلامية/ حماس بالأكثرية وخسرتها حركة التحرر الوطني/ فتح وابتدأت خطط الحصار والعقاب الجماعي للشعب الفلسطيني على مشاركته السياسية واختياراته الحرة. وهكذا كشف دعاة الديمقراطية خارج فلسطين والعالم العربي عن خداعهم ودجلهم في تفسير مدلولات الكلمات وتحريف المعاني وتشويه المفاهيم، وازدواج المعايير وتناقض التعابير.
حصارات وتجويع وقصف وتدمير يومي، معاناة وآلام وفظاظة وحشية، يعيشها الشعب الفلسطيني، كما هو حال اكثر من بلد وشعب، من قصف شواطيء غزة إلى امطار الخريف ومجزرة بيت حانون، والتي كشفت في الوقت نفسه خداع الذات العربية، رسميا في اكثر من ميدان وشعبيا في غيرها، وفضحت سياسات النظام العربي الرسمي قبل اصدار البيان الخجول وبعده، ورهانات هذا النظام الاساسية مع مصالح لا تمت له بصلة ولن تخدم أية قضية عربية او اسلامية، بل تصب في خدمة المشروع الصهيو امريكي في المنطقة، وفي تفتيت وتدمير الارادات الشعبية والطموحات المشروعة وتيسير الطريق امام الهيمنة الامبراطورية العدوانية، وخذلان التضحيات الجسيمة التي تقدمها حركات التحرر الوطني في اكثر من مكان على المعمورة وفي المنطقة العربية، من اجل مستقبل شعوبها ووقف الهجمة الصهيو امريكية، لاسيما في فلسطين والعراق ولبنان والسودان وغيرها وحماية ما تبقي لها من الاسم العربي ضد نسيان حقوق الشعب الفلسطيني وإبعاد قضيته المركزية، وضد محاولات كسر المواجهات وتبديد الثروات والطاقات واذكاء الخلافات والنعرات.
بينما صحيفة بريطانية، لغتها انجليزية وأصحابها لا يتكلمون العربية، تنشط وتذكر بشعب فلسطين، وبأهالي غزة تحديدا وتناشد دعم حملتها الانسانية، من أجل بث الأمل في وجوه أطفالهم ونسائهم وشيوخهم العرب!!. وتقول ان مبادرتها من اجل شعب تخلي عنه العالم، وبقيت بعض منظمات غير حكومية وإعانة انسانية وحدها من يبعث الحياة في أركان وطنه المحتل. هل يصح هذا وتبلع بسهولة البيانات والتصريحات الرسمية وتمسح الالتزامات بها ويجوز التفرج عليها وانتظار ردود الافعال، وإلى متى؟!.
cdabcd
k_almousawi@hotmail.com
د. كاظم الموسوي
تاريخ الماده:- 2006-12-10
|